النويري

61

نهاية الأرب في فنون الأدب

ما يبكيك ؟ قال : جذلا إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته ، ثم قال : إنه وإن كان جرمي بلغ سفك دمى فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلَّغانى عفوه ، ولى بعد هذا شفعة الإقرار بالذنب وحرمة الأب بعد الأب ؛ قال المأمون : لو لم يكن في حق نسبك ما يبلَّغ الصفح عن جرمك لبلَّغك إليه حسن تنصّلك . فكان تصويب إبراهيم لرأى أبي إسحاق والعباس ألطف في طلب الرضا ودفع المكروه عن نفسه من تخطئتهما . ثم قال المأمون لإسحاق بن العبّاس : لا تحسبنّى أغفلت إجلابك مع ابن المهدىّ وتأييدك لرأيه وإيقادك لناره ؛ فقال : واللَّه لإجرام قريش إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أعظم من جرمي إليك ، ولرحمى أمسّ من أرحامهم ، وقد قال [ لهم [ 1 ] ] رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كما قال يوسف لإخوته * ( ( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ وهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) ) * ، وأنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه المنّة ومتمثّل بها ؛ قال : هيهات ! تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام ، وجرمك جرم في إسلامك في دار خلافتك ؛ قال يا أمير المؤمنين ، فو اللَّه للمسلم أحقّ بإقالة العثرة وغفران الذنب من الكافر ، هذا كتاب اللَّه بيني وبينك ، يقول اللَّه تعالى : * ( وسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) * الآية [ إلى [ 2 ] ] * ( والْكاظِمِينَ الْغَيْظَ والْعافِينَ عَنِ النَّاسِ والله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * ، فهي للناس يا أمير المؤمنين سنّة دخل فيها المسلم والكافر والشريف والمشروف ؛ قال : صدقت ، اجلس وريت بك زنادى ، وعفا عنه . وقال أحمد بن أبي دواد : ما رأيت رجلا نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يجب أن يفعله إلا تميم ابن جميل ، فإنه كان تغلَّب على شاطئ الفرات فظفر به ، ووافى به الرسول باب المعتصم في يوم الموكب في حين جلوسه للعامّة

--> [ 1 ] زيادة يقتضيها حسن السياق ولعلها سقطت سهوا من الناسخ . [ 2 ] - هذه الزيادة موجودة في العقد الفريد .